رواية عن الأسفار وأحوال الناس بطابع صيني قديم
ثمن القارب في ثلاث جولات
كو ووجي · إبداع بالذكاء الاصطناعي · 8426 حرف · نحو 9 دقيقة
قرفص الرجل الثاني الذي جاء لمعاينة القارب عند المؤخرة، وطرق الخشب المبتل بظهر سكينه، وطلب من آ تشاو أن تزحزح قدمها. كان تحت موضع وقوفها خط رفيع من الماء لا يُرى ما دام نعلها يضغط عليه. وما إن رفعت قدمها حتى رشح قليل من الماء من الشق، فتجمّع في قطرة مستديرة تلمع.
«ظل مغمورًا طوال الليلة الماضية؟» سأل الرجل.
«القارب في الماء بطبيعته»، قالت آ تشاو، ثم أدركت أن ردّها لم يكن ملائمًا، فقرفصت لتأخذ المغرفة. لم تكن حجرة القارب مغمورة. لم يتجمع عند المؤخرة إلا قدر مغرفتين من الماء، كان أبوها يغرفهما كل صباح، وكانت تفعل مثله. أرادت أصلًا أن تنتظر رحيل الرجل لتفرغ الماء، حتى لا يراه فيقول إن القارب يسرّب. والآن بدت المغرفة الخشبية في يدها كأنها قطعة من الأدلة تعمّدت الإبقاء عليها.
كان اسم الرجل شيه، وله قاربان صغيران لنقل الحطب في أسفل النهر. لم يعنّفها ولم يضحك، وإنّما ألصق ظهر سكينه باللوح وأصغى مليًّا، ثم قال إنه إذا اشترى القارب فسيتعيّن عليه تبديل هذا الجزء أولًا. كانت عند قدميه لفّة من حبل قنّب رفيع جاء بها، وكان واضحًا أنه لم يأتِ لمجرّد تصيّد العيوب. ومع ذلك تمنّت آ تشاو لو يبدأ بذكر الثمن ويكفّ عن الإشارة إليها بكل هذا الصبر إلى المواضع التي توشك أن تتلف في قاربها.
كان المشتري السابق قد جاء قبل ثلاثة أيام ومعه عامل شاب. سار من مقدّمة القارب إلى مؤخرته من غير أن يرضى حتى ببلّ حذائه. طلبت آ تشاو اثني عشر ألف قطعة نحاسية، فسأل عن عمر القارب، ثم عن عدد الركاب الذين ما زالوا يعبرون كل يوم منذ افتتاح الجسر الجديد على الطريق العام. أجابت عن كل سؤال، وحين انتهت شعرت هي نفسها كأنها ذكرت ذلك السعر لأبيها، وليس لمن جاء يشتري القارب. لم يرض الرجل بأكثر من سبعة آلاف، وقال وهو يغادر إن الخشب العتيق يمكن إصلاحه، لكن ما نفع إصلاحه إذا انقطع الركاب؟
أغضبتها تلك العبارة يومين. أما اليوم، فلما فرغ التاجر شيه من المعاينة، لم يبدأ بالحديث عن قلّة الركاب، بل قال إن بدن القارب ضيّق، ولا يسع من الحطب ما يسعه قارب عريض القاع، لكنه لا يزال يصلح للعبور بين الضفتين. ولو انتقل إليه ترخيص العبّارة وما جرى عليه العرف في المعبر أيضاً، فسيضطر إلى إيجاد رجل يعرف هذا الجزء من النهر. قالت آ تشاو إنها تبيع القارب، وإن المعبر ليس ملكاً لآل خه، وإن أباها لم يخلّف لها عرفاً يمكن بيعه.
أومأ صاحب الدكان شيه، كأن هذه العبارة هي بالذات ما طمأنه. عرض ثمانية آلاف وخمسمئة قطعة نحاسية، على أن يدفع نصفها نقدًا، ثم يؤدي الباقي بعدما يُقطر القارب إلى مرسى الحطب ويفحصه هناك. حين سمعت آ تشاو أن العرض ليس سبعة آلاف، انفرج صدرها قليلًا، لكنه عاد فانقبض حين سمعت بالنصف. لم يكن في يدها سوى ثمانمئة وخمسين قطعة، وما زال عليها ثمن أدوية أبيها في أيامه الأخيرة وبضعة ديون صغيرة. وإن اضطرت إلى قطع الطريق إلى أسفل النهر مرتين لتحصيل الباقي، فعليها أن تستنزف أيضًا ما أعدّته من نفقة السفر.
قالت: «ليس عندي من يذهب للمطالبة بالباقي عني.»
«يمكن كتابة المواعيد بوضوح.»
«حتى لو كتبت التاريخ صراحةً، فلا بدّ أن يذهب أحد لتحصيله».
ردّ صاحب الدكان شيه السكين إلى غمدها. أدرك أنها تفهم عرضه لكنها لا تقبله، فزاد المبلغ مئتي قطعة، وأبقى شروط الباقي كما هي. قال إن البيع والشراء يحتاجان إلى شيء من التنازل من الطرفين، فالقارب معطوب وعليه إصلاحه، وإن دفع المال كله دفعة واحدة فلن يصلحه له أحد بالدين. لم تجد آتشاو ما تردّ به على حجته، لكنها هزّت رأسها في النهاية. حمل الرجل حبل القنّب، وحين وطئ لوح الصعود التفت ليقول لها أن تتمهّل، ففي ذلك اليوم كان الطحلب يكسو الدرج الحجري.
رافقته إلى أعلى المنحدر المؤدي إلى المعبر، وعندها فقط أدركت أن العرق قد بلّل ظهرها. لم تصفُ السماء، لكن أغصان الصفصاف عند الشاطئ كانت تتحرك بقوة، حتى إن الأوراق الرفيعة انقلبت فأظهرت وجهها الشاحب. لوّح أحدهم من الضفة المقابلة. أطالت آتشاو النظر حتى عرفت أنه من بسطة الفطائر المقلية في تونغشيو، يريدها أن تعبر لتأخذ حمولة من السلال الفارغة. كان ينبغي لها أن تعود إلى القارب في الحال، لكنها بقيت مكانها. وأخذ الرقمان اللذان سمعتهما قبل قليل يتردّدان في رأسها بالتناوب، كأنها لن تضطر إلى سماعهما إذا ظلّ القارب يدرّ كل يوم أجرة العبور التي كان يدرّها في الماضي.
جاء دينغ تشيوان من طريق دكان شرائح الخيزران، يحمل على كتفه نصف مجداف جديد. فلما رآها واقفة، لوّح أولاً لمن على الضفة الأخرى ليُعلمه نيابة عنها بأنها سمعت النداء. عندها فقط نزلت آ تشاو المنحدر. وأسند دينغ تشيوان المجداف إلى جوار الصفصافة وسألها كم عرض الرجل الذي جاء يعاين القارب.
«لم نتوصل إلى اتفاق.»
«لم أسألكِ إن تمّ البيع.»
أخبرته إذن بالسعر. حكّ دينغ تشيوان ذقنه وقال إن الدفع على دفعتين لا يدلّ بالضرورة على سوء نيّة، فالرجل يملك فعلاً مرسى للحطب في أسفل النهر. همهمت آ تشاو ومضت تفكّ حبل الرسوّ. لم يواصل إقناعها، واكتفى بالقول إنه سيعود بعد الظهر ليسوّي المجداف بالمِسحج، وإن جاء أحد آخر يعاين القارب أمكنه أن يستمع معها. أرادت آ تشاو أن تقول لا داعي، وخشيت أن يبدو ذلك عتاباً له على التدخّل، فطلبت إليه فقط أن يبعد المجداف الجديد قليلاً، ففي نشارة الخشب القديمة تحت الشجرة مسامير حديدية.
بعدما نقلت الأقفاص الفارغة وعادت، لم تتقاضَ سوى خمسة ون للعبور. قال صاحب البسطة على الضفة الأخرى إنهما سيحسبان أجرة الأقفاص معاً في المرة المقبلة، فدوّنتها على قصاصة ضيّقة كما اعتاد أبوها. وبعد أن فرغت فكّرت إلى من تُسلَّم هذه النقود الخمس لو باعت القارب اليوم. طوت الورقة ووضعتها في كمّها. وفي طريق العودة إلى البيت ظلّت تلقي نظرة إلى النهر من غير تفكير، كأن أباها سيشير من جانبها إلى أن الحسابات الصغيرة كهذه أسرع ما يُنسى.
كانت نافذة البيت تفتح على المنحدر المؤدي إلى المعبر. نقص من عيدان الخيزران التي تُنشر عليها الملابس عود واحد، ولُفّ طرفه المكسور بخرقة. بعد مرض أبيها، شقّت تلك القصبة وصنعت منها مسندًا ليده عند السرير، ولم يعد أحد وصلها بمكانها. وعلى الطاولة تنّورة قديمة أحضرتها زبونة. كانت آ تشاو قد ضيّقت خصرها الليلة الماضية، ولم تبقَ إلا الغرز الأخيرة. كانت صاحبتها تنتظر أول زيارة للأقارب بعد الشهر القمري الأول، وقد استعجلتها مرة. غسلت آ تشاو يديها، وحين أدخلت الإبرة في القماش، كان إبهامها لا يزال يحتفظ بقوة القبضة على الحبل، فدفعت مؤخرة الإبرة حتى آلمها الضغط.
أرخت يدها ببطء. كانت أمّها قد علّمتها هذه الخطوة. كلما استعجلتِ سهل أن تشدّي القماش فيميل، وإن لم تفكّري إلا في الانتهاء سريعًا، فستفكّين في النهاية غرزًا أكثر مما تخيطين. وكانت شن يون نفسها تستعجل حين تعلّمها، فيقول لسانها «على مهلك» بينما يدها تشدّ حاشية أخرى تنتظر الخياطة. كانت آ تشاو تضيق قديمًا بتكرار هذا الكلام. واليوم، إذ لم يعد هناك من يقوله لها وهي تخيط هذه التنورة، توقّفت لحظة من تلقاء نفسها قبل أن تُخفي ما تبقّى من الخيط في القماش.
جاءت لو يان لتأخذ التنورة، فلما رأت آ تشاو قد ضيّقت الخصر حتى بدا محكماً، ضحكت ثم قالت إن الإطراء يأتي بعد التجربة. لبستها فوق ثوبها السفلي وانحنت لتلتقط كرة الخيط التي أسقطتها آ تشاو قبل قليل، فشدّت التنورة على خصرها وتركت فيه خطاً. مدّت آ تشاو يدها تتحسسه وقطّبت قبلها، ثم طلبت إليها أن تخلع التنورة سريعاً. كانت قد ضيّقتها على مقاس لو يان القديم، لكن لو يان قالت إن خصرها امتلأ من جلوسها طوال الشتاء تشتغل بشرائح الخيزران، فالقماش نفسه لم ينكمش.
قالت لوو يان وهي تضغط بإصبعيها على الجانبين: «اتركيه أوسع قليلًا، فما زلت سأأكل الغداء. وسّعيه قليلًا من كل جانب هنا، ولا تجمعي الزيادة كلها عند الظهر، فستضايقني حين أجلس.»
دوّنت آ تشاو العلامات بالطبشور، ثم فكّت حزام الخصر وأضافت إليه قطعة. لم تجلس لو يان تنتظر، بل خرجت إلى الفناء والتقطت نصف شريحة الخيزران التي خلّفها دينغ تشوان، ولفّتها مرة حول فوهة حافظة إبر آ تشاو المتشققة. وحين ارتدت التنورة من جديد استطاعت القرفصة فعلًا، وأخذت آ تشاو اثنتي عشرة قطعة نقدية كما اتفقتا. أخرجت لو يان قطعتين أقل وهي تعدّ النقود، وهمّت آ تشاو بالكلام، لكن لو يان استخرجتهما من كمّها الآخر وقالت إنها كادت تعطيها أيضًا ثمن البصل الأخضر. فضحكتا معًا، وعندها أدركت آ تشاو أنها لم تضحك هكذا طوال اليوم.
كانت قد مسحت صندوق الخيزران ووضعته عند قدمي السرير. وفي قاعه مقصّ وعلبة إبر وثوبان للتبديل، ولم تطاوعها نفسها بعد على وضع ثوب خارجي أسمك فوقها. كانت تفكّر في أن تذهب، حين تقبض المال، إلى مدينة روان لتجد دكان خياطة يقبل أن يعطيها عملًا، فلا حاجة إلى واجهة تخصّها منذ البداية. كانت تعرف كيف تقيس الخصر وتخيط سراويل الأطفال، ولم يكن الجيران يقصدونها لتعديل تنانيرهم لأن أباها كان يدير المعبر. كانت ترى كل ذلك بوضوح في الليل، فإذا أقبل النهار ورأت قليلًا من الماء عند مؤخرة القارب، عجزت مرة أخرى عن تحديد ما الذي تستعجله بالضبط.
وصل المشتري الثالث بعد الظهر. كان اسمه شاو لاي، وكان يقضي الحاجات لدكان يشتري الأدوات القديمة في المدينة. تناثر الطين على ظاهر حذائه، وبدا أكثر صراحة من سابقيه. لم يسأل عن عدد الركاب، ولم يطلب منها أن تنزح الماء. سار حول نصف القارب بمحاذاة حافته، ثم قرفص فجأة عند المقدّمة، وأشار إلى اللوحة النحاسية الصفراء وقال إنها ستبدو جميلة إن مُسحت قليلًا.
حملت اللوحة ثلاثة أحرف قديمة، 何家渡، أي «مَعبر آل خه». لم تكن الأحرف كبيرة، وقد صقلت حبال الرسو والأكف حوافّها على مر السنين. وفي أسفلها إلى اليسار نقرة دقيقة أحدثتها آ تشاو في طفولتها بضربة من قطعة حديد. كانت تريد يومها أن تتعلم من أبيها إصلاح القارب، لكن يدها أخطأت الموضع، فقال أبوها إن من حسن الحظ أن الضربة وقعت على اللوحة لا على إصبعها. ومنذ ذلك الحين، كلما مسحت النحاس، توقّف طرف إصبعها هنيهة عند النقرة ليخرج منها قليلًا من الطين.
«أتريد شراء القارب أيضًا؟» سألت آ تشاو.
نهض شاو لاي ونفض ساقَي سرواله، وقال إن جرّ القارب كله إلى المدينة عناء، وإن بوسعه شراء اللوحة وحدها ودفع ثمن يفوق سعر النحاس بالوزن. كان يجمع لأحد بيوت الشاي أشياء من المعابر القديمة. فالقطع المصنوعة حديثًا شديدة اللمعان، ويكفي أن ينظر إليها الزبائن مرة ليقولوا إنها زائفة. أما الكتابة القديمة وآثار التلف كهذه، فتضفي شيئًا من السحر إذا وُضعت بجوار منظر مائي. وبوسعها أن تبيع القارب كالمعتاد وتقبض ثمنه على حدة.
قال ذلك بمراعاة بالغة. إذا نزعوا اللوحة أمكن سدّ ثقوب المسامير ببعض الأوتاد الخشبية، وإذا تولّى أحد غيرها التجديف في المستقبل فلا بدّ من تبديل الاسم على أي حال. وهي تصغي رأت آ تشاو أولًا الثلاثمئة قطعة نقدية في يدها، ثم رأت الثقوب القليلة الخالية التي ستبقى في مقدمة القارب. كانت تعرف أن ذلك النحاس لا يمتاز بمعدن نادر، وتعرف أن أباها لو كان حيًّا ربما تمهّل في الحساب حين يسمع بالثلاثمئة. لم ترَ في الرجل سوءًا بسبب عرضه، لكنها فقدت فجأة رغبتها في مواصلة الحساب.
قالت: «اللوحة لا تُباع وحدها.»
ظنّ شاو لاي أن المبلغ لا يرضيها فزاد خمسين. هزّت آ تشاو رأسها. فتراجع نصف خطوة وقال ضاحكًا، لمَ تحرسين قطعة نحاس قديمة كأنها مخلوق حي، والقارب سيباع على كل حال، والمرء سيمضي إلى مكان آخر. لم تجبه عن هذا، وإنما أعادت تثبيت لوح العبور بجانب قدميه ودعته إلى النزول إلى الضفة. لم يكن صوتها على عجلة كما كان وهي تساومه قبل قليل، فكفّ الرجل عن زيادة الثمن.
بعد أن ودّعت شاو لاي عادت آ تشاو إلى مقدمة القارب، فوجدت المسمار الحديدي الصغير الذي حاول إرخاءه لا يزال مائلًا. أتت بأداة، وثبّتت اللوحة النحاسية بيد، وأحكمت المسمار على مهل في موضعه. كان الخشب مبلّلًا، فعلق بظهر يدها أثر داكن مائل إلى الزرقة. مسحته مرتين فلم يزل، فتركته كما هو. وحين كفّت اللوحة عن الاهتزاز جلست على ألواح القارب.
كان دخان طهي العشاء قد تصاعد على الضفة، وامتلأت السلال مرة أخرى عند بسطة الفطائر المقلية في الضفة الأخرى، فلا بد من رحلة أخيرة اليوم. حسبت أنها لم تُنجز شيئًا طوال النهار، لكنها حين مدت يدها إلى المجداف وجدت أن صندوق الخيزران ما زال في البيت والقارب ما زال هنا، ولم يحسم أيّ منهما أمرها لمجرد أن اللوحة بقيت في موضعها. صفق الماء برفق عند مؤخرة القارب. نزحت أولًا الماء الذي تجمّع من جديد، وكان ملء مغرفتين، ثم حلّت الحبل.
· نهاية الفصل ·
أُنجز هذا الكتاب بمساعدة AI، وهو توسعة مبنية على قصيدة تشانغ رو شيوي 《春江花月夜》، «ليلة القمر والزهور على نهر الربيع»، وعلى القصة القصيرة الأصلية 《借灯还舟》، «استعارة مصباح وإعادة قارب». الشخصيات والجغرافيا والأحداث كلها متخيلة، وليس العمل ترجمة للقصيدة الأصلية أو إعادة صياغة لها، ولا سيرة للشاعر.
قسم التعليقات
جارٍ تحميل التعليقات…
ماذا تود أن تقول؟سجّل الدخول للمشاركة في التعليقات →